الاختلاف فى التفسير بين الاسلام والمسحية

ينبغي أن يُعلم أن الاختلاف الواقع من المفسرين وغيرهم على وجهين :
أحدهما : ليس فيه تضاد وتناقض ؛ بل يمكن أن يكون كل منهما حقا ، وإنما هو اختلاف تنوع ، أو اختلاف في الصفات أو العبارات ، وعامة الاختلاف الثابت عن مفسري السلف من الصحابة والتابعين هو من هذا الباب ، فإن الله سبحانه إذا ذكر في القرآن اسما مثل قوله : (اهدنا الصراط المستقيم) فكل من المفسرين يعبر عن الصراط المستقيم بعبارة يدل بها على بعض صفاته ، وكل ذلك حق … فيقول بعضهم : الصراط المستقيم : كتاب الله ، أو اتباع كتاب الله ، ويقول الآخر : الصراط المستقيم : هو الإسلام ، أو دين الإسلام . ويقول الآخر : الصراط المستقيم : هو السنة والجماعة . ويقول الآخر : الصراط المستقيم : طريق العبودية أو طريق الخوف والرجاء والحب وامتثال المأمور واجتناب المحظور ، أو متابعة الكتاب والسنة ، أو العمل بطاعة الله ، أو نحو هذه الأسماء والعبارات .
ومعلوم أن المسمى هو واحد وإن تنوعت صفاته وتعددت أسماؤه وعباراته .
ومنه قسم آخر : وهو أن يذكر المفسر والمترجم معنى اللفظ على سبيل التعيين والتمثيل لا على سبيل الحد والحصر ، مثل أن يقول قائل مِن العجم : ما معنى الخبز ؟ فيشار له إلى رغيف” انتهى باختصار .
“مجموع الفتاوى” (13/381-384) .
القسم الثاني : الآيات التي اختلف في تفسيرها اختلاف تضاد وتباين ، وهذا القسم قليل ، آياته معدودة ، والاختلاف فيها مشهور ومحصور
وهذا الخلاف – على قلته – أغلبه واقع في القرون المتأخرة ، ولو رجعنا إلى تفسير السلف من الصحابة والتابعين لما وجدنا أكثر هذا الخلاف الموجود في كتب التفسير المتأخرة .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
“وتفاسير النصارى للكتب الإلهية فيها من التحريف لكتاب الله والإلحاد في أسماء الله وآياته ما يطول وصفه ولا ينقضي التعجب منه.
“الجواب الصحيح” (3/93)
وقال أيضا
عن النصارى ، فكثير منهم يقول : الأب هو الوجود ، والابن هو الكلمة ، وروح القدس هو الحياة . ومنهم من يقول : بل الأب هو الوجود ، والابن هو الكلمة ، وروح القدس هو القدرة . وبعضهم يقول : إن الأقانيم الثلاثة : جواد ، حكيم ، قادر ، فيجعل الأب هو الجواد ، والابن هو الحكيم ، وروح القدس هو القادر ، ويزعمون أن جميع الصفات تدخل تحت هذه الثلاثة ، وقد رأيت في كتب النصارى هذا وهذا وهذا ، ومنهم من يعبر عن الكلمة بالعلم ، ومنهم من يقول قائم بنفسه حي حكيم ، وهم متفقون على أن المتحد بالمسيح والحالّ فيه هو أقنوم الكلمة ، وهو الذي يسمونه الابن دون الأب ، ومن أنكر الحلول والاتحاد منهم كالأريوسية يقول إن المسيح عليه السلام عبد مرسل كسائر الرسل صلوات الله عليهم وسلامه ، فوافقهم على لفظ الأب والابن وروح القدس ، ولا يفسر ذلك بما يقوله منازعوه من الحلول والاتحاد ، كما أن النسطورية يوافقونهم أيضا على هذا اللفظ وينازعونهم في الاتحاد الذي يقوله اليعقوبية والملكية .
فإذا كانوا متفقين على اللفظ متنازعين في معناه ، علم أنهم صدّقوا أولا باللفظ لأجل اعتقادهم مجيء الشرع به ، ثم تنازعوا بعد ذلك في تفسير الكتاب كما يختلفون هم وسائر أهل الملل في تفسير بعض الكلام الذي يعتقدون أنه منقول عن الأنبياء عليهم السلام” انتهى باختصار .
الجواب الصحيح ” (3/189-192) .
ذكر الاحاديث الكاذبة فى التفاسير
فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه من أجل أنه لم يعرف له وجهاً في الصحة ولا معنى في الحقيقة فليعلم أنه لم يُؤت من قِبلنا ، وإنما أُتي من قِبل بعض ناقليه إلينا ، وأنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أدِّي إلينا .
تاريخ الطبرى ص13